الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

44

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

للإسلام ، مع قرينة قوله : يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ، وأمّا قوله : فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 23 ] فهو تهكّم . والضّلال إنّما يكون في أحوال مضرّة لأنّ حقيقته خطأ الطّريق المطلوب ، فلذلك كان مشعرا بالضرّ وإن لم يذكر متعلّقه ، فهو هنا الاتّصاف بالكفر لأنّ فيه إضاعة خير الإسلام ، فهو كالضّلال عن المطلوب ، وإن كان الضّالّ غير طالب للإسلام ، لكنّه بحيث لو استقبل من أمره ما استدبر لطلبه . والشّرح حقيقته شقّ اللّحم ، والشّريحة القطعة من اللّحم تشقّ حتّى ترقّق ليقع شيّها . واستعمل الشّرح في كلامهم مجازا في البيان والكشف ، واستعمل أيضا مجازا في انجلاء الأمر ، ويقين النّفس به ، وسكون البال للأمر ، بحيث لا يتردّد فيه ولا يغتمّ منه ، وهو أظهر التّفسيرين في قوله تعالى : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : 1 ] . والصّدر مراد به الباطن ، مجازا في الفهم والعقل بعلاقة الحلول ، فمعنى يَشْرَحْ صَدْرَهُ يجعل لنفسه وعقله استعدادا وقبولا لتحصيل الإسلام ، ويوطّنه لذلك حتّى يسكن إليه ويرضى به ، فلذلك يشبّه بالشّرح ، والحاصل للنّفس يسمّى انشراحا ، يقال : لم تنشرح نفسي لكذا ، وانشرحت لكذا . وإذا حلّ نور التّوفيق في القلب كان القلب كالمتّسع ، لأنّ الأنوار توسّع مناظر الأشياء . روى الطّبري وغيره ، عن ابن مسعود : « أنّ ناسا قالوا : يا رسول اللّه كيف يشرح اللّه صدره للإسلام - فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : يدخل فيه النّور فينفسح - قالوا - وهل لذلك من علامة يعرف بها - قال - الإنابة إلى دار الخلود ، والتنحّي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الفوت » . ومعنى : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ من يرد دوام ضلاله بالكفر ، أو من يرد أن يضلّه عن الاهتداء إلى الإسلام ، فالمراد ضلال مستقبل ، إمّا بمعنى دوام الضلال الماضي ، وإمّا بمعنى ضلال عن قبول الإسلام ، وليس المراد أن يضلّه بكفره القديم ، لأنّ ذلك قد مضى وتقرّر . والضيّق - بتشديد الياء بوزن فيعل - مبالغة في وصف الشّيء بالضيّق ، يقال ضاق ضيقا - بكسر الضاد - وضيقا - بفتحها - والأشهر كسر الضاد في المصدر والأقيس الفتح ؛ ويقال بتخفيف الياء بوزن فعل ، وذلك مثل ميّت وميت ، وهما وإن اختلفت زنتهما ، وكانت زنة فيعل في الأصل تفيد من المبالغة في حصول الفعل ما لا تفيده زنة فعل ، فإنّ الاستعمال سوّى بينهما على الأصحّ . والأظهر أنّ أصل ضيّق : بالتخفيف وصف بالمصدر ، فلذلك استويا في إفادة المبالغة بالوصف . وقرئ بهما في هذه الآية ، فقرأها